نصر حامد أبو زيد

105

الاتجاه العقلي في التفسير

يتوقف الفراء أيضا أمام ما سيطلق عليه فيما بعد اسم « المجاز المرسل » وذلك عند قوله تعالى : كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ يقول : « كنتم تأتوننا من قبل اليمين ، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه . واليمين : القدرة والقوة . وكذلك قوله فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي بالقوة والقدرة . وقال الشاعر : إذا ما غاية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي بالقدرة والقوة » 41 . وكذلك يتوقف الفراء أمام قوله تعالى أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ليقول : « يريد أولى القوة والبصر في أمر اللّه » 42 « وقوله عز وجل : بِأَيْدٍ بقوة » 43 . ولا يشير الفراء في هذه الأمثلة للعلاقة المجازية بين الأيدي والقوة . ولكنه في مثال آخر يحاول توضيح هذه العلاقة ، وذلك حين يتعرّض لقوله تعالى يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ حيث يقول « السجود في هذا الموضع اسم للصلاة لا للسجود ، لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع » 44 . والعلاقة التي يشير إليها الفراء هنا هي علاقة تعبير الجزء عن الكل ، فالسجود جزء من الصلاة ، ولذلك عبر عن الصلاة - الكل - بالسجود - الجزء . والقرينة التي تسمح بهذا التجوز أن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع ، بل تكون في الصلاة عموما ولهذا السبب - أي بسبب عدم غموض المعنى - جاز هذا التعبير . ويتوقف الفراء ، شأن معاصره أبي عبيدة ، أمام مجاز الحذف في آيات كثيرة . وهو يسلك مسلكه في الحرص على تعيين المحذوف وتحديده . يقف أمام قوله تعالى : اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ليقول « معناه - واللّه أعلم - فضرب فانفجرت . فعرف بقوله « فانفجرت » أنه قد ضرب ، فاكتفى بالجواب ، لأنه أدّى عن المعنى . فكذلك قوله أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ومثله في الكلام أن تقول : أنا الذي أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال ، فالمعنى فتجرت فاكتسبت » 45 . ومن الواضح أن الفراء يهتم بوضوح المعنى الذي يجوز معه الحذف ، ما دام الحذف لن يعوق المتلقي عن فهم المعنى المراد . ومما يؤكد المدخل النحوي للوقوف الطويل أمام مجاز الحذف ، بحث الفراء عن « الفاء » في جواب « أمّا » في قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ وهي نفس الآية التي توقف أمامها أبو عبيدة ، وإن لم تشغله قضية « الفاء » وهذا هو الفارق بين لغوي - كأبي عبيدة - يبحث عن استواء العبارة ، وبين نحوي كالفراء يبحث عن استواء القاعدة . يقول الفراء : « إن « أمّا » لا بدّ لها من الفاء جوابا فأين هي ؟ فيقال : إنها كانت مع قول مضمر ، فلما سقط القول سقطت الفاء معه .